الشوكاني
166
نيل الأوطار
ويجاب عنه بأن الاذن العام مخصص بهذا النهي الخاص المستفاد من اللعن ، أما على مذهب الجمهور فمن غير فرق بين تقدم العام وتأخره ومقارنته وهو الحق . وأما على مذهب البعض القائلين بأن العام المتأخر ناسخ فلا يتم الاستدلال به إلا بعد معرفة تأخره . ومنها ما رواه مسلم عن عائشة قالت : كيف أقول يا رسول الله إذا زرت القبور ؟ قال : قولي : السلام على أهل الديار من المؤمنين الحديث . ومنها ما أخرجه البخاري : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مر بامرأة تبكي عند قبر فقال : اتقي الله واصبري قالت : إليك عني الحديث ولم ينكر عليها الزيارة . ومنها ما رواه الحاكم أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة فتصلي وتبكي عنده قال القرطبي : اللعن المذكور في الحديث إنما هو للمكثرات من الزيارة لما تقتضيه الصيغة من المبالغة ، ولعل السبب ما يفضي إليه ذلك من تضييع حق الزوج والتبرج وما ينشأ من الصياح ونحو ذلك ، وقد يقال : إذا أمن جميع ذلك فلا مانع من الاذن لهن ، لأن تذكر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء انتهى . وهذا الكلام هو الذي ينبغي اعتماده في الجمع بين أحاديث الباب المتعارضة في الظاهر . وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتى المقبرة فقال : السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون رواه أحمد ومسلم والنسائي . ولأحمد من حديث عائشة مثله وزاد : اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم . وعن بريدة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم : السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون ، نسأل الله لنا ولكم العافية رواه أحمد ومسلم وابن ماجة . حديث عائشة أخرجه أيضا مسلم بلفظ : قول السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ، ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين ، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون وأخرج أيضا عنها أنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلما كان ليلتها منه يخرج إلى البقيع من آخر الليل فيقول : السلام عليكم دار قوم مؤمنين ، وأتاكم ما توعدون غدا مؤجلون ، وإن شاء الله بكم لاحقون ، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد . قوله : السلام عليكم دار قوم مؤمنين دار قوم منصوب على النداء أي يا أهل ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ، وقيل : منصوب على الاختصاص ، قال صاحب المطالع : ويجوز جره على البدل من الضمير